الرئيسية / ملفات / تماسك أسري وعادات لن تجدها في غيرها… “رمضان”  نكهة أخرى في المسيلة

تماسك أسري وعادات لن تجدها في غيرها… “رمضان”  نكهة أخرى في المسيلة

يختصر الصائمون في ولاية المسيلة عملهم خلال اليوم بالتوجه إلى الأسواق صباحا ثم العودة مبكرا وقبل صلاة الظهر إلى المنزل بفعل ارتفاع درجات الحرارة، أما السهرات فتمتد إلى غاية وقت السحور، ويتميز شهر رمضان لدى المسيليين بعودة جو الألفة والترابط الأسري إلى المجتمع، حيث تستغل لياليه وسهراته في تبادل الزيارات بين الأهل والجيران وتمتد إلى ساعات طويلة يقضيها الجميع في التسلية وتمضية الوقت. ونادرا ما يخلو شهر رمضان من هذه التقاليد خاصة هذه السنة، فالجو السائد هذه الأيام جعل الخروج من البيت فرصة لتغيير الجو والابتعاد عن الروتين، فولاية المسيلة تعرف تقليدا سنويا متوارثا خلال شهر رمضان.

فدعوة الأهل والأصدقاء إلى الإفطار سنة تتبعها العديد من الأسر خلال هذا الشهر الكريم، فلا يكاد يمر يوم دون أن يشارك أحد الصائمين موائد الإفطار في بيت من بيوت الأقارب أو الجيران، كما يبقى عدد من المواطنين خارج البيت بعد أذان المغرب لمدة معينة خاصة الذين يسكنون على جوانب الطرقات الرئيسية من أجل دعوة عابري السبيل والمسافرين الذين دخل عليهم وقت الإفطار قبل أن يصلوا إلى بيوتهم، والأسرة المسيلية وكغيرها من الأسر الجزائرية تحرص ألا تفوت فرصة صوم طفلها لأول مرة، وتحضر له ما لذ وطاب من الأكل الذي يكون متنوعا ومخصصا للصائم الصغير، كما لا يفوت جميع أفراد الأسرة فرصة تهنئة الصغير وتشجيعه طوال اليوم، حيث يتولى كل فرد مهمة معينة تساعد الطفل على إكمال صوم يومه، فيأخذه والده أو جده في جولة إلى السوق لاقتناء ما يثير شهيته من الفاكهة والحلوى، أما الأم فتحرص على تجهيز مائدة إفطار الصغير وتضع كرسيه إلى جانب كبار البيت من الرجال ليشعر الطفل بأهمية ما قام به، كما تحضر طقوسا خاصة لإفطار الطفل كوضع خاتم ذهبي في كأس من الماء محلى بقليل من العسل يشربه الطفل بعد الأذان مباشرة، وبعد إفطاره يقدم إليه طبق الطمينة وكثير من الهدايا التي تحضرها العائلة خصيصا لصيامه الأول.

 

الكرات الحديدية والشواء.. ميزتا سهرات المسيليين

اعتاد المسيليون الخروج من بيوتهم خلال سهرات رمضان بشكل كبير، ومن مختلف الأعمار من الشيوخ إلى الأطفال. فجوانب الطرقات والمقاهي ممتلئة عن آخرها وتحولت الشوارع الرئيسية إلى مكان لتجمع عشرات المواطنين من مختلف الأعمار مزاحمين بذلك الشباب الذين اعتادوا على تمضية سهرات رمضان لوحدهم، وتختلف أساليب السهرات من فئة لأخرى، فهناك من اختار لعب ”الدومينو” وهناك من فضل كرة القدم خاصة المراهقين منهم، أما الكهول وبعض الشباب فقد فضلوا لعب الكرة الحديدية على أضواء أعمدة الإنارة، وتتخلل رائحة الشواء جموع المواطنين المنتشرين على امتداد الشوارع الرئيسية، حيث فضل عدد من الشباب انتهاز الفرصة ونصب طاولات الشواء والحلويات، أما الشباب فيلتف حول هذه الطاولات بأعداد كبيرة خاصة مع اقتراب موعد السحور وإحساسهم بالجوع ويوفر الباعة خدماتهم المختلفة للساهرين التي تنوعت بين بيع الشواء والحلويات بالإضافة إلى الشاي والمكسرات.

 

الشيشة.. والجلوس في المقاهي ملاذ آخر للمسيليين

تتحول المقاهي والمطاعم بولاية المسيلة بعد الإفطار إلى معاقل لتدخين الشيشة، ولم يعد غريبا أن تصادفك وأنت تتجول في شوارع المسيلة وبلدياتها، العديد من المحلات وأماكن الجلوس مملوءة بعدد هائل من الشباب الذين يتناولون الشيشة ويلهون بلعب لعبة الدومينو، وما يزيد الأمر إثارة هو تمازج دخان الشيشة مع دخان المتصاعد من طاولات الشواء ، و كذا انتشار طاولات شموع وحناء، وغيرها من مستلزمات العيد ، ويعتقد البعض من سكان بلدية عين الخضراء ومڤرة وسيدي عيسى وبوسعادة، أن تدخين الشيشة أقل ضررا من تدخين السجائر، لذلك يقبلون عليها بشكل كبير، ويعتقد العديد من مدخني الشيشة بالمسيلة، أن فوائد الشيشة أكثر من مضارها، بينما تعتقد الغالبية الكبرى أن الشيشة لا تحمل أي مخاطر مضرة بالصحة، تفسيرا منهم أن دخانها مرشح لأنه يمر عبر الماء، حيث يعمل الماء على ترشيحه من المواد الضارة، كما أنه لا يحلو للمسيليين لعب الدومينو إلا بتدخين الشيشة، وهو ما يؤكده ممارسو لعبة الدومينو بحي اشبيليا بوسط المسيلة

والتي تعرف الظاهرة أكثر من غيرها، ويعرف الدومينو انتشارا خاصة في السهرات الرمضانية، حيث يقبل العديد من شباب المسيلة وحتى صغارها وكهولها على هدر وقتهم في لعبه، حيث لا تخلو جلسة من هذه اللعبة وما يصاحبها من تدخين للسيجارة أو الشيشة.

ويفضل العديد من شباب المسيلة تجارة تخص شهر رمضان فقط، حيث يتحول العديد منهم إلى بيع الشواء على الهواء الطلق دون مراعاة شروط النظافة. وما يزيد في الأمر إثارة هو الإقبال الكبير الذي تشهده هذه التجارة من رواج. ففي بلدية برهوم يقبل تجار أم البواقي الذين يرتادون أسواق المسيلة على الشواء بنهم كبير.

 

وللإنشاد و النشاط الثقافي مكانته بولاية المسيلة

تعرف منطقة المسيلة على المستوى الوطني باحتوائها لكم هائل من المنشدين، إن لم نقل أنها أضحت مدينة المنشدين بدليل فوز أحد أبنائها، وهو نجيب عياش بلقب منشد الشارقة العالمية، وعرفت خلال هذا الشهر العديد من الفعاليات الثقافية وذلك بتنظيم العديد من الفرق الإنشادية للسهرات الرمضانية، كما تم تنظيم مسابقات ثقافية ودينية لفائدة الأطفال وكذا تنظيم حفظ القرآن والحديث النبوي، ومن جهة أخرى تم إعداد سلسلة من المحاضرات والندوات الثقافية والدينية والفكرية.

 

لحم الجمال ومياه الينابيع

استهلاك واسع خلال شهر الصيام

تتحول عاصمة الحضنة وبالضبط سوقها المغطاة التي يجتمع فيها التجار المحترفون خلال كل شهر رمضان إلى قبلة لزوار من نوع خاص، وهم مستهلكو لحم الجمال.

وذكر بعض أصحاب محلات القصابة الذين يبيعون لحم الجمال، أن مستهلكي هذا النوع من اللحم يأتون من مختلف مناطق الولاية بل وحتى من باقي أرجاء الوطن ومن بعض ولايات الجنوب لأنهم يجدون في هذا النوع من اللحم نكهة خاصة وسرا لا يعلمه غيرهم.

ويقول بعض هؤلاء إن لحم الجمال ليس كما يعتقد البعض من المستهلكين يصلح فقط للشخشوخة خلال الأيام العادية من السنة، بل يلجأ البعض لاستعماله في مختلف الأطباق في شهر رمضان بدليل أن بعض مستهلكيه يطلبون من الجزار فرم قطع منه من أجل استعمالها في البوراك أو الدولمة.

ويؤكد أصحاب محلات القصابة أنه من الصعوبة بمكان التفريق ما بين لحم الجمل والبقر ما عدا بالنسبة للجزار أو المعتادين على استهلاك هذا النوع من اللحم الذين يعرفون أن لحم الجمل يكون له طعم نهائي حلو خلال تناوله في مختلف الأطباق.

وبرأيهم، فإن للحم الجمال مزايا عديدة فهو صحي أكثر من باقي الأنواع الأخرى من اللحوم ومنعدم الدهون تقريبا بحكم تجمعها في مكان واحد أي في حدبة الجمل، إضافة إلى كونه سهل الهضم مع ضرورة تسويق لحم صغار الجمال لأنه يستحيل طهي لحم الجمل المسن.

وحسب العارفين، فإن التعرف على لحم صغير الجمل وكبيره ليس في متناول الجميع والجزار فقط هو الذي يعرف الفرق.

أما عن غلاء سعر لحم الجمل، فقد أرجعه الباعة إلى كون عدد رؤوس الجمال بولاية المسيلة في تقلص مستمر، إلى جانب تخلي عديد المربين عن نشاط تربية الجمال لغياب المراعي وغلاء الأعلاف وانعدام الدعم.

وأشار بعض الباعة إلى أن هذا النوع من اللحم وبما فيه من مزايا جعل بعض مستهلكيه لا يعيرون اهتماما لسعره بقدر ما يعتبرون اقتناءه في شهر رمضان عادة حميدة مألوفة لديهم.

وإضافة إلى لحم الجمال، فقد زاد ومنذ بداية شهر رمضان الحالي، استهلاك مياه ينابيع المنطقة الجبلية الدريعات ببلدية حمام الضلعة بولاية المسيلة، ويختلف شهر رمضان الحالي عن سابقه الذي اقتصر فيه جلب المياه على الصائمين المالكين لوسائل النقل الذين يقطعون ما يزيد عن 40 كلم للوصول إلى ينابيع الدريعات، عكس رمضان الجاري، حيث لجأ بعض باعة المياه إلى تجهيز شاحناتهم بصهاريج بلاستيكية صحية يعبئونها من ينابيع الدريعات ليقوموا ببيعها، وأكد لنا بعض المواطنين أن الإقبال على شراء ماء ينابيع الدريعات بمدينة المسيلة يعد ملفتا لدرجة أن بعض السكان يشكلون طوابير لملء قاروراتهم البلاستيكية لدى هؤلاء التجار الذين خفضوا سعر ماء الينابيع بنسبة معتبرة، وأكد أحد الباعة بأنه يقوم بملء الماء من ينابيع الدريعات وتسويقه في عاصمة الولاية بأسعار في متناول الجميع، معتبرا أن ماء الدريعات عذبا وخاليا مما يضر بالمستهلك ومعروف لدى عامة الناس، وبالتالي فإن تسويق ماء غيره يتفطن له المستهلك المحلي بسرعة، ويعد البياض الناصع للصهاريج دليلا أيضا وفق نفس المصدر على نقاء ماء ينابيع الدريعات التي لا تحتوي على الشوائب والأتربة والرمال عكس ما يحدث بالنسبة لمياه الآبار التي تحتوي على الشوائب المحولة للون الصهاريج من أبيض ناصع إلى أصفر، ما يجعل بعض الباعة يلجؤون إلى استعمال صهاريج ذات لون مغاير للأبيض، ونظرا لانخفاض سعر ماء ينابيع الدريعات، أصبحت ربات البيوت تستعمله في طهي الأطباق بدلا من ماء الحنفيات.

 

المسيلة مهد لحوم الماعز المشتهاة بكثرة خلال شهر رمضان

عرفت  على مر الزمان لحوم الماعز بالمسيلة من خلال مذاقها الجيد لاسيما عند الشواء و احتوائها على نسبة قليلة من الكولسترول طريقها نحو أطباق المستهلكين.

وأضحى هذا النوع من اللحوم الذي يصبح ذا شعبية خاصة خلال شهر رمضان بالنسبة لعديد مواطني بلدية أولاد سليمان، مهد تربية الماعز بعاصمة الحضنة طعاما مشتهى بشكل كبير.

 

قطع مئات الكيلومترات للتمون بلحوم الماعز

وانطلاقا من مدن وسط البلاد التي تبعد بمئات الكيلومترات عن أولاد سليمان “يحط” المستهلكون بهذه المنطقة بحثا عن لحم الماعز. فبالنسبة للكثيرين و بمجرد تمرير الطلبية يتم نقل اللحم في شاحنات مهيأة لنقل الحليب ومشتقاته وذلك بالاعتماد في غالب الأحيان على خدمات الناقلين الخواص المارين عبر أولاد سليمان، فيما ينقل مستهلكون آخرون اللحم الذي يتم شراؤه في مركباتهم الخاصة مع تشغيلهم لنظام التكييف الكامل الخاص بالمركبة.

ويفضل أهل المسيلة القادمين من كل من عاصمة الولاية وسيدي عيسى وبوسعادة الوسيلة الأكثر أمانا وهي شراء جديان من الأسواق الأسبوعية لأولاد سليمان و ذبحها لدى الجزارين في أغلبية الحالات.

و يمكن للعارفين بخبايا مذاق لحم الماعز تحديد قطعة اللحم التي تليق بشكل أفضل لتحضير طبق معين، حيث يؤكدون بأن سعر هذا اللحم الذي يباع بـ 1000 د.ج للكيلوغرام الواحد يعد محفزا، مردفين بأن هذا النوع من اللحوم يعطي “مذاقا خاصا” لبعض الأطعمة مثل الشوربة والكسكسي والشخشوخة على وجه الخصوص.

كما يؤكد مستهلكو هذا النوع من اللحوم الذين يحسنون التمييز بينه و بين لحم الخروف من خلال لونه الأحمر الخاص جدا و كذلك تركيبته الغضة مقارنة بلحم الضأن، بأن لحم الجدي جد طري وذو مذاق لا يقارن ولحمه لذيذ عند الشواء، مشيرين إلى أن طهي لحم الجدي “فائق السرعة” على عكس باقي اللحوم. و يؤكد آخرون بأن سعر هذا اللحم الذي وصف بـ “المعقول” يفسر ذلك الإقبال المتزايد يوما بعد يوم.

 

لحم الجديان بسعر معقول ويضمن توازن الوزن

وتحتوي لحم الماعز على كمية كبيرة من البروتينات حسب ما صرح به لوأج السيد محمد والي و هو طبيب عام بالمسيلة، مضيفا بأن هذا اللحم يعد نحيفا مقارنة باللحوم الأكثر شيوعا.

ويتضمن معدله من المادة الدهنية قليلا من الأحماض الدهنية المشبعة، فيما يعد معدله من الكولسترول جد منخفض مقارنة بباقي اللحوم وفقا لما أردفه ذات المتحدث. و تعد نسبة الدهون في لحم الجدي أقل بشكل كبير من لحم الضأن و تشكل اللحم المثالية بالنسبة للزبائن الحريصين على المحافظة على توازن وزنهم. أما على صعيد المذاق فعادة ما يقارن لحم الجدي مع لحم الضأن حسب ما أكده جزار ينشط بعاصمة الولاية.

ويفيد ذات التاجر مقتنعا بأن “لحم الجدي مثل لحم الضأن يخص الحيوانات الصغيرة المذبوحة قبل بلوغ سن الـ5 أشهر وهو ما يفسر طراوة هذه اللحوم”. أما عن الرائحة وهو الموضوع الذي لطالما تم تناوله من طرف حديثي العهد باستهلاك لحوم الماعز، فيؤكد مهنيون في المجال أنه لا توجد “أية رائحة خاصة” لهذا اللحم، حيث أوضحت لـ “وأج” نساء ماكثات بالبيت بكل من بوسعادة و سيدي عيسى وعين الحجل بأنه يكفي ابتلاع أولى لقم هذه اللحم التي تصنع شهرة عاصمة الحضنة ليصبح الشخص فيما بعد من مريديها.

لمياء بن دعاس