الرئيسية / ملفات / ما بين إعادة الزواج ووهب حياتها لأبنائها.. “الأرملة الجزائرية” في مواجهة صعبة مع اعتقادات المجتمع

ما بين إعادة الزواج ووهب حياتها لأبنائها.. “الأرملة الجزائرية” في مواجهة صعبة مع اعتقادات المجتمع

 

أكد المختصون في علم الإجتماع أن المرأة حين تفقد زوجها تواجه صراعا كبيرا ويصعب عليها تقبل وضعها الجديد من متزوجة إلى أرملة وهي ما زالت في مقتبل العمر، فتشعر أنها حائرة بين قرارات صعبة في حياتها ولا تعرف كيف تتخذ الخطوة المناسبة خاصة وإن ترك لها زوجها أبناءا لتجد نفسها مرغمة على اختيار أحد القرارين، إما أن تقبل بالزواج الثاني لأنها لا تستطيع أن تكفلهم وإما أن تهب نفسها لأبنائها الذين سيكونون كل حياتها وقطعة من روحها.

يعتبر الزوج المعيل والسند الأول للمرأة عند زواجها، وحين تفقد هذا السند يحدث لها عدم اتزان لفترة فتصبح إحدى الإثنتين … إما تتماسك أو تنهار …؟ وفي هذا الشأن توضح الأستاذة شبعاني أستاذة علم النفس أن الأرملة تتعرض لفراغ عاطفي وكذلك الأبناء وذلك نتيجة لغياب الأب، وفي أحيان كثيرة تواجه المرأة حين ترغب في الزواج مشكلات كبيرة نتيجة ضغوط المجتمع والخوف على الأبناء وقد يتغلب حب الأبناء والخوف عليهم على رغبتها في الزواج. وأضافت قائلة أن الأرملة بحاجة إلى وقت ليس بالقصير لتتكيف مع حياتها الجديدة، إذ تشعر في بداية الوفاة بأنها ضعيفة وعاجزة عن اتخاذ أي قرار ولا تستطيع تحمل أية مسؤولية، ولكن مع مرور الوقت تتكيف مع الوضع الجديد خاصة إذا ساعدها المحيطون بها على تنمية ثقتها بنفسها وبقدراتها، وذلك من أجل تربية أبنائها التربية السليمة والصحيحة لأن هؤلاء الأبناء هم لبنة من لبنات تكوين المجتمع.

 

التضحية.. تستلزم مواصلة الطريق..

وفي سياق متصل أكدت الأخصائية النفسية أن الأرامل اللواتي استغنين عن الزواج من أجل أبنائهن بعضهن يفشلن وبعضهن يواصلن الطريق، فمن الأرامل من تقف وسط الطريق تعلن عن ضعفها واستسلامها، فيما تجد البعض منهن في مسؤولية الأبناء بأسا شديدا فتفشل في ملاحقة أولادها خارج البيت أو تقديم النصح داخله، فتشعر بالإنهيار حينما تجدهم لا يستجيبون لنصائحها ومنهن من تستطيع الوقوف أمام التحدي فتراها ثابتة أمام المسؤولية التي أصبحت تطوق عنقها وهؤلاء يضرب بهن المثل حين يقمن بتربية أبنائهن على أفضل ما يكون.

 

أم الثلاث بنات.. بعد 20 سنة تعود إلى دراستها

هي السيدة (ج- ن) فقدت زوجها وهي في سن التاسع والعشرين، ترك لها ثلاث بنات لا تتعدى أكبرهن الخمس سنوات فوجدت نفسها تتحمل مسؤولية الأب والأم في آن واحد.

تروي الأم المثالية قصتها حينما تركها زوجها وسط عائلة ترفض عمل المرأة مهما كان نوعه، فلم يكن باليد حيلة غير مكوثها في بيتها إلى جانب بناتها تنتظر رزق الله لها.

تقول هذه السيدة: “عزمت على تربية بناتي تربية صالحة يحبها الله ويرضاها” فكانت تغذي بناتها بالإيمان وتصب في نفوسهن أحسن المبادئ، وتسمعهن من ذكر الله ما يشربهن التقوى، كما كانت تتولى وظيفة الأب في متابعتها لمستواهن التعليمي، و تستخدم القسوة لتوجيه من تحيد منهن عن الطريق الصحيح حتى نجحت في الوصول بهن إلى المستوى الجامعي.

وبعد سنوات قضتها بين تربية بناتها و حلقات كانت تؤديها بالمسجد وبعض الحرف التي كانت قد تعلمتها وقت فراغها كالخياطة وصنع الحلويات، أتتها البشارة من الجامعة بأنه تم قبول ملفها لاستئناف دراستها من جديد، وبتوفيق من الله عز و جل ودعوات ظلت ترافقها تقول الأم: “تخرجت من كلية العلوم الشرعية -جامعة خروبة- بشهادة ليسانس التي مكنتني من خوض مسابقة التوظي، و حصلت على منصب أستاذ تعليم إبتدائي”، مؤكدة أنها لم تكن لتصل إلى هاته المرحلة إلاّ بعدما اجتازت أشواطا من الصبر والكفاح.

وتختم كلامها قائلة:”الحمد لله الذي وفقني لتأدية أمانة زوجي وهي تربية بناتي تربية صالحة والوصول بهن إلى بر الأمان”.

 

فضلت أن تبقى إلى جانب ابنتها… ولم تندم على قرارها

هي السيدة (م.ك) فقدت زوجها وهي في العشرين من عمرها، وفضلت أن تعيش من أجل ابنتها التي وضعت كل آمال الحياة عليها، وعلى الرغم من محاولات أسرتها لدفعها إلى زواج ثان تبدأ من خلاله حياة جديدة وتنجب الأبناء، إلا أنها فضلت أن تبقى إلى جانب ابنتها ترعاها وتهتم بها تغذيها من حنانها وعطفها وفعلت كل ما بوسعها لتعوضها عن فقدان أبيها.

تقول الأم :”كبرت ابنتي وأكملت دراستها و هي الآن موظفة بإحدى الشركات”، مشيرة إلى أن ابنتها ستتزوج عن قريب وعلى الرغم من شعور الوحدة الذي أصبحت تخافه إلا أنها سعيدة بأداء واجبها كأم تجاه ابنتها.

وأضافت أن التضحية كبيرة وباهظة الثمن :”كثيرا ما شعرت بالحنين إلى حياة أعيشها رفقة زوج أشعر معه بالأمان، وكثيرا ما تمنيت أن تكبر أسرتي بوجود أبناء كثر يكونون إخوة لابنتي”، لكنها كانت تخشى أن تخسر ابنتها ففضلت التضحية التي ترى أنها لن تندم عليها أبدا.

 

ظنت أن ابنها لا يستحق التضحية فأوشكت على الاستسلام

شاءت الأقدار أن تفقد هذه السيدة (و-م) و هي في الخامس والعشرين من عمرها زوجها بعد عام من زواجها ترك لها ولدا عاشت من أجله ولم تتزوج، وربته تربية حسنة بشهادة أهلها وجيرانها حتى تخرج من كلية الهندسة.

تروي الأم قصتها مستذكرة تلك الأيام القاسية التي مرت عليها فتقول: “رغم التربية الحسنة التي قدمتها لابني إلا أنه وقع فريسة لأصدقاء السوء فسقط في وحل المخدرات وأصبح يتعاطى الهيروين بالحقن وضاع جزء من شبابه وهو في تلك الحالة “.

فقدت الأم آمالها وظنت أن سنوات عمرها التي أمضتها من أجل ابنها قد ضاعت وأنه لا يستحق كل هذه التضحية.

ولكنها رغم كل هذا اليأس، ظلت تدعو إليه في صلواتها واتخذت عدة سبل لعلاج ابنها وبالفعل نجحت في إخراجه من عالم المخدرات الذي أدمنه، وغيرت مسكنها حتى لا تتبقى له أية صلة برفقاء السوء الذين كانوا سببا في ضياعه.

تختم الأم قولها: “وبتوفيق من الله عز وجل حصل ابني على عمل جديد واستأنف حياته من جديد، وهو الآن متزوج وأب لابنتين وما ذاك إلا بفضل صبري وكفاحي…… فالله لا يضيع أجر المحسنين”.

 

الأرملة…… والنظرة القاصرة للمجتمع

تتمحور نظرة المجتمع للأرملة على أنها مطمع الرجال وتصاحبها سلوكيات أخرى لا تعني بالنسبة لهم سوى أنها فريسة، فهم لا يقدرون درجة معاناتها وأنها تتحمل مسؤوليات كبيرة بمفردها، فيغفل المجتمع عن ذلك ويبدأ في ترقب حركاتها، بعد أن كانت تعيش حياتها بكل حرية وسعادة قبل وفاة زوجها.

وفي هذا المجال، أوضح علماء الإجتماع أن واقع حياة الارملة بعد وفاة زوجها معقد للغاية، لأنها تعيش في مجتمع شرقي تحكمه العادات والتقاليد الصارمة، وهو ما يجعلها في صراع دائم بسبب الموروثاث الثقافية و الطبيعية التي يؤمن بها المجتمع والتي تهدر أحيانا حق المرأة نتيجة الترمل.

كما أشار المختصون في هذا المجال إلى أن الظلم قد يقع على الارملة حتى من أقرب الناس إليها، وفي الكثير من الاحيان يبدأ الأهل بالبحث عن تزويج الارملة مرة أخرى ومحاولة إيجاد عائل وسند لها يخرجها من صدمات المجتمع وصراعه الشرس معها.

 

بين البقاء في البيت أو العودة إلى الأهل يضيع الكثير من حرية المرأة واستقلالية الأبناء

تمر نساء كثيرات بمشكلة أخرى بعد وفاة الزوج لاسيما الصغيرات في العمر، حيث تعود لسلطة الأهل الذين قد يرفضون استقلالها مع صغارها في بيت زوجها وتقع الأرملة هنا بين مطرقة الاستقلالية وحب تربية أبنائها في بيت مستقل وبين سندان التدخل والعادات والقيود.

أم ايناس امرأة توفي زوجها في الواحد و العشرين من عمرها، وعن تجربتها تقول: “نسيت عائلتي حسرتي وفاجعتي بوفاة زوجي الشاب ولم يراعوا حالتي النفسية السيئة التي أمر بها ليبدأ الصراع بين عائلتي وعائلة زوجي”، وتتابع قائلة: “عائلتي تريد أن أعود لبيت أهلي لأنني ما زلت صغيرة ولا يمكن أن أعيش وحدي وعائلة زوجي يريدون لأحفادهم أن يتربوا معهم في الشقة التي أسكنها بالبناية نفسها و تستنكر أم ايناس الصراع الذي وقع بين العائلتين متناسيتين تماما شعورها وحزنها و الضغط النفسي الواقع عليها وعلى أبنائها و بأنها ترغب في الجلوس في بيتها معهم بدون أن يتحكم بهم أحد و يفرض رأيه عليهم.

من جهتها، ترى الأستاذة زبيدة خبيرة العلاقات الأسرية أنه إذا افترض أن هذه الزوجة الأرملة وأبنائها متمكنون اقتصاديا أي ليسوا بحاجة إلى إعالة من الأعمام أو الأخوال فستكون الأمور أكثر حرية أمامها في اختيار السكن سواء عند الأهل أو في بيت مستقل وفقا لرغبتها في طريقة تربية الأبناء التي تطمح لأن تكسبهم إياها، مشيرة إلى أن العبرة ليست في أين سيعيش الاطفال بعد وفاة والدهم بقدر ما تكون في القيم التي يتلقونها في هذا البيت.

وتابعت قائلة سواء كانوا في بيت أهل والدهم أو والدتهم، فالمطلوب الرئيسي هو أن يعيش الأطفال في علاقة متوازنة بين البيئتين حتى لا يؤثر الأمر عليهم سلبا في المستقبل، مبينة أنه كما لأهل الزوجة الحق في الأبناء، فأهل الزوج لهم الحق ذاته لا سيما أن الطفل منسوب لهم، وبالتالي لا بد من أن يكونوا في مكان متاح لهم رؤيتهم في أي وقت.

 

الإمام قجاور سمير: “رفضت الخطاب وتفرغت لتربية أبنائها…. فجاورت النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة”

أكد الإمام والأستاذ الرئيسي قجاور سمير أن جزاء العمل الرائع لتلك الأم التي ترفعت وتخلت عن رغبتها في أن تكون بكنف رجل يؤنس وحشتها، وآثرت أن يكون أبناؤها اليتامى هم أنسها بعدما يكبرون سيكون لها الثواب الجزيل فهي أبت الزواج مع حاجتها إليه تركت كل لذة واستعلت عن كل شهوة و رفضت الخطاب وتفرغت لتربية أبنائها اليتامى وابتعدت عن مواطن الشبهات و الريبة وعكفت على تربية الأبناء، هذه المرأة مكانتها في الإسلام أنها تدخل الجنة مع النبي صلى الله عليه وسلم. وأضاف قائلا :”أن الارملة لا تنال أجر كفالة اليتيم وحده فحسب، بل هي تنال أجر تربية الابناء كما تناله أي أم، فهي مأجورة عند الله سبحانه و تعالى جراء الجهد و التعب و المشقة، فما بالك حينما تكون هذه المرأة راعية لليتامى فإنها تتحمل مسؤولية التربية

والرعاية والعناية والكفالة حيث تتحمل العبء الكبير والمسؤولية العظيمة، مشيرا إلى أن تربية اليتامى تحتاج إلى قلوب رحيمة لينة بالرغم من صعوبات الحياة ويكفيها كلما مسحت على رأس ابنها اليتيم أخذت بكل شعرة حسنة، وأن يكون معها الله

ويجعل بيتها خير بيت فخير البيوت بيت يكرم فيه يتيم.

ق. م